عبد الكريم الخطيب
947
التفسير القرآنى للقرآن
وأنه لا حاجة إلى هذا التكلّف ، لإيجاد وجه لجمع الظلمات . . والبحر نفسه هو ظلمات ، وبطن الحوت ظلمات وظلمات . . فما الحاجة إلى الليل ، حتى تصبح الظلمة ظلمات ؟ وهل في أعماق البحر ، أو في جوف الحوت ، حساب للّيل أو النهار ، والظلام والنور ؟ . . واللّه سبحانه وتعالى يقول : « أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ، ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » ( 40 : النور ) إن ما في أعماق البحر ، ليست ظلمات وحسب ، وإنما هي ظلمات ، فوق ظلمات ، فوق ظلمات ! وقوله تعالى : « فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ » أي أن اللّه سبحانه قد استجاب دعاء يونس ، ونجّاه مما هو فيه من غمّ ، وكذلك ينجى اللّه المؤمنين ، مما ينزل بهم من سوء ، وما يصيبهم من بلاء . . ويونس لم يدع إلا بقوله : « لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » . . فهو دعاء لم يطلب فيه نجاة أو خلاصا من هذا البلاء الذي هو فيه . . ففيم استجاب اللّه له ؟ والجواب - واللّه أعلم - أنه دعا بأفضل دعاء يقتضيه حاله ، ويطلبه موقفه . إنه قد أتى من قبل نفسه ، وإنّ نفسه هي التي أوقعته في هذا البلاء ، ودفعت به إلى هذا الموقف الذي هو فيه ، فهو في دعائه هذا يطلب البراءة من نفسه ، والنجاة من شباكها ، وذلك بإخلاص العبودية للّه ، والبراءة من كل شئ ، حتى من نفسه هذه ، والاستسلام للّه الذي لا إله إلا هو . . وإنه إذا خلص من نفسه ، وبرئ من أهوائها ونوازعها ، فقد خلص من كل سوء ، وأمن كل مكروه . . ومن هنا كان خلاصه من بطن الحوت ، وكانت نجاته من هذا البلاء . . وهكذا كل من يضيف وجوده إلى اللّه ،